السيد كمال الحيدري

67

المعاد روية قرآنية

بلغ مقاماً لم يبلغه جبرئيل ولن يستطيع الوصول إليه رغم كونه من الملائكة المقرّبين ، وقال للنبىّ صلى الله عليه وآله : « وطئت موطئاً لم يطأه أحدٌ قبلك لا ملك مقرّب ولا نبىّ مرسل » « 1 » أو « لو دنوت أُنملة لاحترقت » « 2 » . فهذا الإنسان بمقدوره أن يصل إلى هذه المقامات ، وبمقدوره أيضاً أن يتسافل في دركات الجحيم ، فيصير أضلّ من الأنعام ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( الأعراف : 179 ) . وهذا المعنى تضمّنته كما قلنا الكثير من آيات الكتاب المجيد ، ومنها قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( البقرة : 30 ) ، وهذا إشارة إلى أنّ في الإنسان بُعداً معيّناً هو أنّه مخلوق من الطين ، وهذا البُعد قد يجعله يتثاقل إلى الأرض ويخلد إليها . أمّا في مقام الجواب عن سؤال الملائكة فإنّ الله تعالى لم يقل فقط بأنّ الإنسان يُفسد في الأرض ، ويسفك فيها الدِّماء ، بل قال أيضاً : إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ، أي : إنّ هذا الإنسان بإمكانه أن يُغلّب عقله على شهوته ، وأن يجعل الشهوة والغضب تحت إمرة العقل ، وعند ذلك يكون أعلى درجة من الملائكة .

--> ( 1 ) مدينة المعاجز ، السيد هاشم البحراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم : ج 1 ص 59 . ( 2 ) مستدرك سفينة البحار ، الشيخ على النمازي الشاهرودى ( ت : 1405 ه ) ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، بقم المشرّفة : ج 10 ص 154 .